
المنتدى الوطني لحقوق الإنسان، وهو يواكب باهتمام كبير، هموم وانشغالات، وتطلعات المواطن المغربي، على امتداد وطننا الغالي، منصتا لنبض الشارع كعادته، لا يمكنه بأي حال من الأحوال، أن يقف متفرجا أمام سابقة الصفع التي تعرض لها أحد رجال السلطة، جراء ممارسته لاختصاصاته في مجال تحرير الملك العمومي؛ تلك السابقة التي أضحت تشكل خلال الأيام القليلة الأخيرة، العناوين البارزة لأغلب صفحات المواقع الاجتماعية؛ وحكاية درامية تلوكها الألسن خلال جلساتنا الرمضانية، بأحكام مسبقة وجاهزة، وبشهادات تغلب عليها العاطفة، وتفتقد الحياد، وكأننا نعيش حياة لا قانون حضاري يحكمنا فيها
لنُحكِّم العقل، ولندع العاطفة جانبا، ونحن نطرح داخل المنتدى الوطني لحقوق الإنسان، تساؤلات عديدة ومتناسلة، لا تعترف لا “للعدمية” ولا “للتطرف”، بموطئ قدم بيننا .. تساؤلات لا نهدف من خلالها التأثير على مجريات البحث والتحقيق في هذه النازلة، بالقدر الذي نطمح فيه من خلالها، إلى فتح أعين كل من يهمهم الأمر ـ سلطات عمومية، ومنتخبين، وهيئات المجتمع المدني، ومواطنين ـ على حقائق قد توارت إلى الخلف، بفعل صخب وغليان المواقع الاجتماعية من جهة، وإطلاق لجماح العاطفة من جهة ثانية .. تساؤلا ت تستفز جملة من التناقضات نعيشها جميعا، تحت سقف سماء واحدة:
1/ أليس رجل السلطة هذا، بمواطن هو الآخر .. له أهل وأبناء وعائلة، و وضع اجتماعي، وموقع إداري داخل النسيج التدبيري للوطن، ومكانة اعتبارية خاصة ..؟
ألا يعيش هو الآخر ضغط الحياة اليومية .. كما نحن جميعا ..؟
ألم يكن ينجز مهامه الإدارية، في إطار ما يخوله له القانون، بل ما يلزمه القانون القيام به، حفاظا على الأمن والسلم والسكينة ..؟
2/ أليست ظاهرة احتلال الملك العمومي، بأسبابها ومسبباته، وبمن كانت أيادي سوداء لانتشارها وتفاقمها، حتى أصبحت قنبلة موقوتة، قد تنفجر في أي وقت أو حين ..؟
أولم يعد احتلال الملك العمومي، أمرا يؤرقنا جميعا، ويشوه النسيج الحضري لمدننا، ويحرمنا راجلين وسائقي مركبات من حقنا في التجول والسير والجولان ..؟
3/ أولم نكاد نتفق جميعا على مساندتنا الشاملة ومباركتنا المطلقة، لعمليات تحرير الملك العمومي من الباعة الجائلين، والتي تشرف عليها السلطات المختصة ..؟ بل وتثمين مجهوداتها في هذا المجال وإن جاءت متأخرة ..؟ مع ضرورة مطالبة بتكثيف برامج ومبادرات إدماج هذه الشريحة العريضة من المجتمع (الفراشة)، داخل النسيج التنموي العام، وعيا منا بالدور السلبي للفقر والهشاشة، في تنامي الجريمة واتساع رقعة الانحلال الخلقي ..؟
إن المنتدى الوطني لحقوق الإنسان، كهيئة حقوقية مستقلة ومتميزة، وضعت على قائمة أولى أولياتها ـ كما ينص على ذلك صراحة قانونها الأساسي ـ بناء إنسان واع بالتزاماته ومسؤولياته، وأن هذا البناء لا يمكن أن يتم إلا في احترام تام وشامل لهيبة الدولة ومؤسساتها، يدلي بخصوص هذه النازلة بما يلي:
أ/ رفضه التام والمطلق لتصرف الفتاة التي قامت بصفع السيد القائد، كيفما كانت الدريعة، ومهما كانت مبرراتها
ب/ تضامنه اللامشروط مع رجل السلطة هذا، كما يحيي فيه رباطة جأشه وتمالكه لأعصابه، وعدم قيامه بأي ردة فعل اتجاه التصرف اللامسؤول لهذه الفتاة، رغم الإهانة التي تعرض لها بمقر عمله
ج/ شجبه الصريح بالمناسبة، لسلوك أحد أفراد القوات المساعدة، الذي ظهر في الشريط الموثق لعملية الصفع هاته، والذي ظل واقفا متفرجا، دون أن يتدخل لحماية السيد القائد
د/ تأكيده على أن أهم أسباب ما نعيشه اليوم من تدني للأخلاق، وابتعاد عن القيم والمبادئ، وسيادة ثقافة الفوضى والتسيب، مرده بالأساس إلى تدني المنظومة التعليمية والتربوية، والسياسات اللاشعبية للحكومات المتعاقبة، إلى جانب الضغط اليومي الذي تعيشه غالبية الأسر المغربية، نتيجة غلاء المعيشة، والارتفاع الصاروخي للأسعار، مقابل الغنى الفاحش لثلة من الشناقة، التي اكتسحت كل المجالات والميادين، سياسية واقتصادية واجتماعية
وحتى يعرف هذا الوضع، انفراجا وفرجا لكل الطبقات الفقيرة والهشة، نؤكد مرة أخرى على أن المنتدى الوطني لحقوق الإنسان هيئة مستقلة، هدفها بناء الإنسان قبل الحديث عن أي ثقافة لحقوق الإنسان، وعيا منه بأن بناء الإنسان، والذي هو مسؤوليتنا جميعا دون استثناء، يظل اللبنة الأولى والرئيسة، التي تبنى عليها كل الحضارات والبرامج والمخططات، وأن هذا البناء، لا يمكنه أن يتم، إلا في إطار احترام هيبة الدولة ومؤسساتها؛ مؤمنين جميعا بأن المستقبل واعد أمامنا، وأنه لا وجود للعدميين بيننا .. فمغربنا يعرف أوراشا كبرى، وعلينا أن نثق في قدراتنا على إنجاح ثورة ثلاثية الأبعاد .. ثورة في التبسيط، وثورة في النجاعة، وثورة في التخليق، في إطار من الاجتهاد، والابتكار، والتدبير، تحت راية حمراء، تتوسطها نجمة خماسية خضراء
خريبكة في: 24 مارس 2025
المكتب التنفيذي للمنتدى الوطني لحقوق الإنسان